خليل الصفدي
110
أعيان العصر وأعوان النصر
بيدرا ، فعمل عليه عنده ، وحكى لي الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر بك ، قال : قال لي السلطان حسام الدين لاجين يوما : يا حسين ، رأيت البارحة أخاك مظفّر الدين في النوم ، وهو يقول لي : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] ، فما كان بعد ثلاث ليال ؛ حتى قتل - رحمه اللّه تعالى - . وحكى عنه الشيخ علاء الدين بن غانم - رحمه اللّه تعالى - مكارم كثيرة ، ولطفا زائدا ، وإحسانا جما ، ومودة يرعاها لمن يعرفه . وكذلك حكى لي عنه شيخنا فتح الدين بن سيد الدين لما دخل إليه ، لم يدعه يبوس الأرض ، وقال : أهل العلم ينزّهون عن هذا ، وأجلسه عنده - أظنه قال لي : على المقعد - ، ورتّبه موقعا في ديوان الإنشاء ، فباشر ذلك أياما ، ثم استعفى فأعفاه ، وجعل المعلوم له راتبا ، فأقام يتناوله الشيخ إلى أن مات سنة أربع وثلاثين وسبعمائة . وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود يوما بين يديه ، وهو بدمشق يكتب ، فوقع شيء من الحبر على ثيابه ، فأعلمه لاجين بذلك ، قال لي : فنظمت في الحال بين يديه : ( السريع ) ثياب مملوكك يا سيّدي * قد بيّضت حالي بتسويدها ما وقع الحبر عليها بلى * وقع منك بتجديدها قال : فأمر لي بتفصيلتين ، ومبلغ خمسمائة درهم ، فقلت : يا خوند ، مماليكك الجماعة رفاقي يبقى ، وندب الأمير علم « 1 » الدين الدواداري ، وهو سلطان ، فعمّر جامع ابن طولون ، واشترى له وقوفا كثيرة ، وجدد فيه وظائف كثيرة من التفسير والحديث ، والفقه والقراءات والطب ، وعمّر بدمشق الخان المنسوب إليه تحت ثنية العقاب . وكان أشقر ، في لحيته طول يسير وخفّة ، وجهه رقيق معرق وعليه هيبة ، وهو تام القامة في قده رشاقة وهيف ، وكان - وهو سلطان - يجهز البريدية ، ويحملهم السلام إلى الموقعين الذين كان يعرفهم . وأنشدني شيخنا أبو الثناء محمود إجازة قصيدة مدحه بها ، وهي : ( البسيط ) أطاعك الدّهر فأمر فهو ممتثل * واحكم فأنت الّذي تزهى به الدّول وأشرف فلو ملكت شمس النّهار علا * ملكتها لم يزد في سعدها الحمل وانهض بعزمك فهو الجيش يقدمه * من بأسك المنذران الرّعب والوجل
--> ( 1 ) علم الدين هو : سنجر .